حين تعجب النبي ﷺ لا من الحب، بل من غيابه
في هذه القصة النبوية، نرى أن الإسلام لم يُلزم القلب بما لا يطيق، ولم يُجبر النفوس على محبة لا تسكن فيها.
بل جاء الدين موافقًا للفطرة الإنسانية:
• يعترف بالحب،
• يحترم كرامة الإنسان،
• ويُقدّس حرية الاختيار، حتى في أدق مشاعر القلب.
فما أعجبَ النبي ﷺ من حب مغيث، لأن الحب طبيعي،
بل عجب من قلبٍ لم يبادله، لأن النفور أيضًا فطرة لا تُدان.
وهكذا كانت شريعة محمد ﷺ: لا تُصادم المشاعر، بل تُهذّبها وتوجّهها دون أن تكبتها أو تَعيبها
قصة بريرة ومغيث رضي الله عنهما
كانت بريرة جاريةً مملوكة، وتزوّجها مغيث، وهو عبد أيضًا، وكان يحبها حبًا عظيمًا.
ثم شاء الله أن تعتق بريرة، فأصبح لها الحق أن تختار: تبقى مع مغيث أو تفارقه.
فقد جاء في الشريعة أن الجارية إذا أُعتقت ولها زوج عبد، فهي بالخيار، فاختارت بريرة الفسخ ورفضت البقاء معه.
لكن مغيث لم يستطع أن يتحمّل فراقها…
كان يمشي خلفها في طرقات المدينة، وعيناه تفيض بالدموع، وقلبه يتقطع حنينًا، يناديها، ويرجوها، ويركض خلفها بين الناس.
ورآه النبي ﷺ في حالٍ مؤلم، فقال لاعمه العباس:
“ألا تعجب من حب مغيث لبريرة، وبغض بريرة لمغيث؟”
يا الله! ما أصدقه من حب… وما أشده من موقف.
تألم النبي ﷺ لحال مغيث، وذهب إلى بريرة يشفع له، فقال لها:
“لو راجعتيه؟ فإنه أبو ولدك.”
فسألته:
“أتأمرني؟”
قال:
“لا، إنما أنا شافع.”
قالت:
“فلا حاجة لي فيه.”
انتهت القصة بوضوح: النبي ﷺ لم يُجبرها، ولم يُعنّفها، بل احترم قرارها وعلّم الأمة أن الحب لا يُؤخذ قهرًا.
حينما رأى النبي ﷺ مشهد مغيث وهو يبكي خلف زوجته السابقة بريرة، قال:
“ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة، وبغض بريرة لمغيث؟”
تأمل هذا جيدًا: النبي ﷺ لم يتعجب من الحب، بل من النفور المقابل.
لم يكن غريبًا عليه أن يحب رجل زوجته ويشتاق لها ويطلبها، فالحب في المدينة لم يكن عيبًا ولا غريبًا ولا مستنكرًا.
بل كان شيئًا طبيعيًا، فطريًا، إنسانيًا.
مجتمع النبي ﷺ كان مجتمعًا تملؤه القيم، ومن بينها الصدق في المشاعر، والرحمة في العلاقة، والوفاء في العِشرة.
لم تكن العلاقات قائمة على جفاف أو مجاملة أو واجب ثقيل، بل كانت القلوب حيّة، والوصال نابعًا من محبة صادقة.
ولذلك لم يعجب النبي ﷺ من دموع مغيث، ولا من حبه،
بل العجب الحقيقي كان في أن قلب بريرة لم يتأثر، ولم تهتز مشاعرها له، رغم شدة حبه،
حتى قال بعض الصحابة: “ما رأينا أشد حبًا من حب مغيث لبريرة، ولا أشد بُغضًا من بُغض بريرة لمغيث.”
🔹 هذا الموقف يعلّمنا أن الحب لا يُفرض،
وأن في شريعة الإسلام تقديرًا عظيمًا لحرية القلب وكرامة الإنسان، حتى في أقرب الروابط، وهي الزواج.
🔹 كما يعلّمنا أن مجتمع المدينة النبوية كان مجتمعًا يشعر ويحب ويتأثر،
لم يكن الحب فيه شيئًا مخجلًا أو مذمومًا، بل كان جزءًا من الحياة التي تعاش على فطرة،
بصدق، بضعف، برقة.
🔹 والنبي ﷺ لم يبتسم من حال مغيث تهكمًا، بل حزن عليه، وتمنّى له خيرًا، لكنه لم يُجبر بريرة،
لأن الحب الصادق لا يُنتزع، ولا يُفرض، ولا يُستجدى
اللهم ارزقنا زوجًا صالحًا، يصبّ علينا الحب صبًّا صبًّا، لا يُبقي في القلب ظمأ ولا وحشة.
زوجًا يفهمنا بقلبه قبل أذنه، يُؤنس وحدتنا، ويحتوي ضعفنا، وتكون معه العِشرة سكنًا ورحمة لا كُلفة ولا تكلّف.
اللهم لا تجعلنا نحب من لا يحبنا، ولا تعلّق قلوبنا بمن لا يخاف عليك وجعها.
كثير من علاقات الزواج اليوم فقدت جوهرها،
صار الحب فيها ترفًا، والمودة فيها مؤجلة،
واختلطت الواجبات بالاعتياد،
وصار البقاء من أجل الصورة، لا الروح.
لكن قصة مغيث وبريرة تُعيدنا للفطرة:
أن الحب حق، وأن النفوس لا تُجبر،
وأن أجمل العلاقات ليست تلك التي يدفعها المجتمع،
بل التي يُروّيها الصدق، ويُغذّيها الدعاء، ويباركها الرضا



علية الصلاة والسلام
عليه صلوات الله وسلامه ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)! ليت قومي يعلمون بأن المشاعر ليست بيد أحد هي بيد الله فقط ( لاتلمني فيما تملك ولا أملك) الحب موجود وفطرة بشرية لابد من الإيمان بوجودها وتهذيبها كبقية المشاعر مثل البغض….