الصبر الذي لا يضعفه الزمن
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنت أقرأ سورة يوسف، فخرجت بتأملات عجيبة، وكانت بداية دهشتي من نبي الله يعقوب عليه السلام، حين تكررت على لسانه نفس الكلمة في موضعين مختلفين من أشد مواضع البلاء: «فصبر جميل
ففي بداية المصيبة عند اختفاء يوسف عليه السلام، جاء جوابه ثابتًا: «فصبر جميل»،
ثم تكررت هذه الكلمة نفسها مرة أخرى بعد سنين طويلة، عند فقدان أخيه، وكأن الزمن لم يغيّر شيئًا من يقينه، ولا من حسن ظنه بربه
حين نقف متأملين أمام هذه المحطة العظيمة من حياة نبي الله يعقوب عليه السلام، نجد أننا لسنا أمام مجرد قصة تاريخية، بل نحن أمام دستور تربوي ونفسي متكامل يجسد حقيقة الإيمان الثابت الذي لا تزعزعه العواصف
إن المفارقة العجيبة التي تسترعي الانتباه هي تلك المسافة الزمنية الطويلة التي فصلت بين قوله الأول في بداية البلاء وفقد يوسف حين قال:
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾،
وبين قوله ذات الكلمة في المرة الثانية حين جاءه الابتلاء الجديد بفقد ابنيه الآخرين حيث قال:
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
فبين الكلمتين جرت سنوات طويلة من الشوق الذي ينكأ الجراح، وحزن ممتد أكل من عافيته وجسده حتى ابيضت عيناه من البكاء وانحنى ظهره،
ومع ذلك بقيت الكلمة هي ذات الكلمة، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} والمبدأ هو ذات المبدأ، كأن السنين الطويلة بكل ما تحمله من قسوة وجفاف لم تزد هذا القلب إلا رسوخاً وتجذراً في أرض اليقين.
واللافت أن الابتلاء الأول انتهى بقوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، أما في الابتلاء الثاني فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾.
وكأن السنين الطويلة لم تُضعف حسن ظنه بالله، بل زادته يقينًا، فهناك من يضعف رجاؤه كلما تأخر الفرج، أما أولياء الله فإن تأخر الفرج يزيدهم معرفة بربهم وثقة بحكمته؛ لأنهم يعلمون أن الله لا ينسى عباده، وإنما يدبر لهم الخير في الوقت الذي يريده سبحانه.
⸻
التأمل الثاني: استمرار صبره
اغلب وليس كُل الناس يستطيعون أن يتماسكون في الأيام الأولى من البلاء؛ لأن حرارة الصدمة تكون قد غلبت على شعوره، أو لأن الناس من حوله يواسونه ويشدون أزره، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما ينصرف الجميع، وتمر الأيام، ثم الشهور، ثم السنين، ويبقى الجرح مفتوحاً لا يراه إلا الله.
ولهذا فإن عظمة قصه يعقوب عليه السلام لا تختصر على انه قال: «فصبر جميل» اول ما سمع الخبر ، بل في أنه بقي على المعنى نفسه بعد سنوات طويلة من الانتظار. فالصبر الذي يستمر مع طول المدة أعظم من الصبر عند بداية المصيبة؛ لأن النفس تضعف مع الزمن، والآمال قد تتناقص، والإنسان قد يتسلل إليه اليأس شيئاً فشيئاً، أما يعقوب عليه السلام فكان كلما امتد البلاء ازداد تعلقاً بالله
⸻
التأمل الثالث: ايش يعني الصبر الجميل
وفي هذا الموقف درس بليغ في أن الصبر الحقيقي ليس مجرد انفعال لحظي أو مسكن نلجأ إليه عند الصدمة الأولى ثم نتخلى عنه إذا طال الأمد، بل هو منهج حياة مستمر، وثبات مستقر على الرضا بمقادير الله.
⸻
التأمل الرابع: ازدياد يقينه رغم ازدياد البلاء
ومن أعمق ما نستلهمه من هذا السرد هو ذلك التطور المذهل في يقين يعقوب عليه السلام؛ ففي بداية الابتلاء وفقد يوسف، كانت استعانته بالله مواجهة للصدمة وثباتاً أمام كذب الأبناء وتخفيفاً من وطأة الفاجعة، لكن المفاجأة تكمن في المرة الثانية حين تضاعف الكرب بفقد بنيامين، فلم يقل: ليش يارب، أو إن المصائب بس على راسي ، انا حظي كذا ، بل على العكس تماماً، تمدد الأمل في قلبه وتعاظم طمعه في كرم الله، فرفع سقف الدعاء والرجاء ليتجاوز مجرد الصبر إلى اليقين المطلق بالفرج الشامل كما جاء في الآية الكريمة:
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
⸻
التأمل الخامس: حسن الظن بالله عند تكرار الابتلاء
إن هذا السرد المتكامل يعلمنا كيف يجب أن يتعامل المؤمن مع الابتلاءات المتكررة؛ فبدلاً من أن يهدم الابتلاء الثاني ما بنيناه من صبر في الابتلاء الأول، ينبغي أن يكون وقوداً لتعميق الصلة بالله وفهم حكمته وتوقع جميله
و علمنا يعقوب عليه السلام أن حسن الظن بالله هو القوة الخفية التي تجعل الإنسان صامداً في وجه الابتلاءات وقادرا على الصبر، وأن الشكوى إذا كانت لله وحده بثاً وحزناً لا تنافي الصبر الجميل، بل هي عين العبودية والاستسلام.
⸻
وفي نهاية المطاف، يخبرنا هذا السرد أن أعظم شيء يعين على الصبر هو حسن الظن بالله؛ لأنك إذا أحسنت الظن فيه مهما طال الانتظار واشتد البلاء، بتكون عارف في داخلك أنه حكيم خبير لطيف، ما يكتب شيء إلا لحكمة، ولا يأخر شيء إلا لخير.
فاللي يثبت على الرضا ويفوض أمره لله ما يضيع في طريقه، بالعكس يتعلم مع كل تأخير ومع كل ألم معنى أعمق من الفرج نفسه؛ إن كل شيء يقدّره الله حتى لو كان مؤلم في لحظته، فيه لطف مخفي ما ينفهم إلا بعد وقت، فيهدأ القلب شوي شوي، ويخف ثقل التفكير، ويكفيه شعور واحد: أنه في رعاية الله وتدبيره.
حاولت أستخرج لكم جميع الأفكار التي تدور في رأسي،
فإن أصبت فبفضل الله، وإن أخطأت فأتمنى أن تصححوا لي




مقال جميل بارك الله فيك